اليكم التفاصيل4

المقارنة.. هل هي نعمة أم نقمة؟

نعتقد جميعا أننا نتحكم في قراراتنا واختياراتنا، بل ونتخذ أكثر القرارات صوابا وحكمة، إلا أن هذه القرارات كثيرا ما تتأثر بالعديد من العوامل المحيطة، التي تدفعنا للتفكير باتجاه معين.

انحياز التباين Distinction Bias

هو أحد مفاهيم نظرية القرار Decision theory، وهي نظرية اقتصادية تستخدمها الشركات لتقييم الخيارات المتاحة لاتخاذ الأفضل، ثم هي نظرية رياضية تستخدم دالّات رياضية كدالة المنفعة، وإحصائية لكونها تعد أحد تطبيقات نظرية الاحتمالات، وأخيرا ترتبط بنظرية سلوك المستهلك، حيث تتأثر بسلوك متخذ القرار ودرجة ميله للمخاطرة.

وانحياز التباين هو الميل لأحد الخيارات استنادا للمقارنة بين تلك الخيارات، وليس استنادا لتقييم كل خيار على حدة، دون النظر لأي خيارات أخرى.

يؤثر انحياز التباين على اتخاذ القرار عند المقارنة بين خيارين متشابهين جنبا إلى جنب في نفس الوقت، وهو تكتيك يستخدمه تجار التجزئة غالبا عندما يعرضون مجموعة من المنتجات تتمايز فيما بينها بين “الجيدة” و”الأفضل” و”الأفضل على الإطلاق”. وربما يكون المنتج الأفضل مصنوع بنفس المعايير، ومن ذات المواد، إلى أن فرق السعر قد يخلق لدى العميل إدراكا للجودة، ويدفعه لشراء المنتج الأكثر/الأقل تكلفة، وفقا لسلوك العميل/المستهلك.

لا ينطبق ذلك على المنتجات والخدمات فحسب، وإنما يمتد ليشمل علاقاتنا الإنسانية والكثير من السلوكيات الاجتماعية التي نمارسها في حياتنا اليومية.

كيف يؤثر ذلك على العلاقات؟

فلنفترض أنك قابلت شخصا تنجذب إليه، تتمتع بقضاء الوقت معه، وربما تفكر في أن تخطو العلاقة خطوة إلى الأمام، دون أن يكون هناك أي مقارنات أو خيارات أخرى، بينما تسترشد بمشاعرك وعواطفك وغرائزك في تقييم الأمور.

ثم، يظهر توأم لهذا الشخص أطول قليلا، وربما يرتدي ملابس أفضل، فهل تظل بنفس رد فعلك الحدسي الأول تجاه الشخص الذي انجذبت إليه أولا؟ أم يبدأ عقلك الباطن بالمقارنة بين الشخصين؟ لمجرد أنهما يقفان إلى جانب بعضهما البعض؟ وهل يمكن أن يؤثر ذلك (ظهور الشخص الجديد) على طريقة تعاملنا مع الشخص الأول؟

بالطبع يمكن أن يؤثر، بل غالبا ما يؤثر. أحد الأمثلة الواضحة على ذلك، هو علاقتك بطفلك أو بزوجتك. فلديك فكرة مسبقة عن شخصيتهما، وكيفية تصرفهما، ويعني ذلك أنه حينما يحدث شيء خارجا عن المألوف، فما تقوم به على الفور هو مقارنة أفعالهما في الأحوال العادية، وشخصيتهما التي تعرفها، وذلك التصرف/الموقف الغريب.

أمثلة من انحياز التباين في الواقع

بعض المواقف تبدو طبيعية ومقبولة تماما قبل المقارنة، فلنقل أنك اخترت ملابس تنكرية لطفلك لحضور إحدى الحفلات، وقضيت الكثير من الوقت لاختيار الملابس، واقتنعت أنها تبدو رائعة. حتى وصلت إلى الحفلة التنكرية، ووجدت طفلك إلى جانب أطفال آخرين، لديهم ملابس أكثر تفردا وأزهى ألوانا من طفلك. هل تشعر لحظتها بعدم بذلك ما يكفي من المجهود؟ أو بنوع من النقص؟

لماذا؟ لقد كنت متوهجا متقّدا وتزهو فخرا منذ 5 دقائق فقط!

يمكن أن نطبق الشيء نفسه على العمل إلى جانب الزوج/الزوجة. يبدو زوجك/زوجتك في حياته اليومية ودودا لطيفا وسهل المعشر، حتى تعملان في مشروع واحد سويا، لتفاجأ أنه/أنها متسلط وأجش الصوت ويجنح للسيطرة والتحكم فيمن حوله. في واقع الأمر، كنت سوف تقبل الأمر نفسه من أي شخص آخر يكون رئيسا لك، وسوف تسير الأمور على ما يرام، إلا أنك في واقع الأمر تقارن بين الزوج/الزوجة في العمل، وفي المنزل، بين شخصيتين مختلفتين تتناقضان مع بعضهما البعض.

كيف يمكننا تجنب انحياز التباين؟

أولا، يجب أن نعترف بوجوده، وندرك أننا جميعا معرضون للتأثر به بأشكال مختلفة، فكما يقول المثل الإنجليزي الشائع إن “العشب دائما أكثر اخضرارا على الضفة الأخرى من النهر”. لكن علينا أن ندرك أن من طبيعتنا البشرية أن نحلل ونزن خياراتنا بحرص، خاصة إذا ما كان لدينا وجهة نظر، أو رأي آخر “أفضل” ربما.

في كثير من الأحيان علينا أن نتريث في اتخاذ القرارات، التي نكون على وشك القيام بها، والتفكير بها جيدا، حتى نتجنب الاختيارات السيئة، وحينما نحدد ميزانية، أو نستقر على رأي ما، فعلينا أن نتذكر تلك اللحظة جيدا، وألا تحركنا العلامات اللامعة، والمنتجات البرّاقة، والشخصيات التي تبهر بشكلها الخارجي، والتي كثيرا ما تدفعنا للخروج عن الإطار المحدد لميزانياتنا أو شخصياتنا جريا أو طمعا في لمعان هنا أو بريق هناك.

أين يؤثر فينا انحياز التباين؟

تعد مواقع التواصل الاجتماعي أحد أكبر الأماكن في الحياة الحديثة، التي يتسبب فيها انحياز التباين سلبيا، بينما تقدم كل منصة لمستخدميها العديد من الصور والاشخاص والمنتجات تعرض جميعها جنبا إلى جنب، ويخلق هذا السيناريو حالة عامة من البلبلة والمقارنات المجحفة بين الأشخاص والمنتجات وأنواع الحياة على اختلافها بحثا عن “الأفضل”. وتؤدي هذه المفاضلات المستمرة إلى مشاعر مسممة مثل الغيرة والاستياء وعدم الثقة بالنفس.

علينا أن نتذكر دائما أن وسائل التواصل الاجتماعي هي مكان يعرض فيه كل شخص وكل شركة أفضل ما لديهم، ومن غير المرجح أن تكون تلك الصور الفردية أو التسميات التوضيحية مؤشرا على الحياة اليومية. هناك حركة متنامية الآن كي نكون أكثر وعيا بالحقيقة البديلة التي توفرها لنا شبكة الإنترنت. لا سيما عندما يستهدف المؤثرون والمشاهير والإعلانات التلاعب بمشاعرنا وغرائزنا ومخاوفنا.

لابد في هذه الحالة أن نعي أن تلك حالة من حالات انحياز التباين المستفحلة، وليس هناك حاجة مطلقا للمقارنة بين هويتنا المرئية الطبيعية بهوية أي شخصية “افتراضية”.

كيف يمكننا أن نعيش حياتنا بعيدا عن انحياز التباين؟

في الواقع، ربما يكون من المستحيل عدم السماح لأي تأثير خارجي على طريقة تفكيرنا، والحياة بمعزل عن أي مقارنات، إلا أننا يجب وأن نضع في اعتبارنا أفكارنا الشخصية، وسياقات حياتنا، وتحليل أسباب الاختيارات، وهي طرق بسيطة للحفاظ دائما على المسار الصحيح. علينا أن نحاول دائما أن نكون مسؤولين عن قراراتنا، خاصة تلك التنظيمية والمالية التي تؤثر على العائلة والمقربين، وهو ما يسهم في ترشيد تصرفاتنا والحفاظ على التركيز وتحديد نوعية الحياة والقرارات والاختيارات المناسبة لنا، دون الوقوع تحت تأثير المقارنة مع الآخرين، مع المجتمع، ومع أنواع من الحياة قد لا تناسبنا.

المصدر: ليرنينغ مايند

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*